الشيخ الطبرسي
16
تفسير مجمع البيان
بأن لا يعذبهم عند التكذيب ، كما عذب من قبلهم من الأمم الماضية ، والقرون الخالية ، عند التكذيب ، بل يؤخرهم إلى يوم القيامة ، عن الكلبي . ( ليجمعنكم إلى يوم القيامة ) أي : ليؤخرن جمعكم إلى يوم القيامة ، فيكون تفسيرا ل ( الرحمة ) ، على ما ذكرناه أن المراد به إمهال العاصي ليتوب . وقيل : إن هذا احتجاج على من أنكر البعث والنشور ، ويقول : ليجمعنكم إلى اليوم الذي أنكرتموه ، كما تقول : جمعت هؤلاء إلى هؤلاء ، أي : ضممت بينهم في الجمع ، يريد بجمع آخركم إلى أولكم ، قرنا بعد قرن ، إلى يوم القيامة وهو الذي ( لا ريب فيه ) وقيل : معناه ليجمعن هؤلاء المشركين الذين خسروا أنفسهم إلى هذا اليوم الذي يجحدونه ، ويكفرون به ، عن الأخفش . ويسأل عن هذا فيقال : كيف يحذر المشركين بالبعث ، وهم لا يصدقون به ؟ والجواب : إنه جار مجرى الإلزام ، وأيضا فإنه تعالى إنما ذكر ذلك عقيب الدليل . ويقال : كيف نفى الريب مطلقا ، فقال : ( لا ريب فيه ) والكافر مرتاب فيه ؟ والجواب : إن الحق حق ، وإن ارتاب فيه المبطل ، وأيضا فإن الدلائل تزيل الشك والريب ، فإن نعم الدنيا تعم المحسن والمسئ ، فلا بد من دار يتميز فيه المحسن من المسئ . وأيضا فقد صح أن التكليف تعريف للثواب ، وإذا لم يمكن إيصال الثواب في الدنيا ، لأن من شأنه أن يكون صافيا من الشوائب ، فلا يكون مقترنا بالتكليف ، لأن التكليف لا يعرى من المشقة ، فلا بد من دار أخرى . وأيضا فإن التمكين من الظلم ، من غير انتصاف في العاجل ، وإنزال الأمراض من غير استحقاق ولا إيفاء عوض في العاجل ، توجب قضية العقل في ذلك أن يكون دار أخرى توفى فيها الأعواض ، وينتصف من المظلوم للظالم . ( الذين خسروا أنفسهم ) أي : أهلكوها بارتكاب الكفر والعناد ( فهم لا يؤمنون ) أي : لا يصدقون بالحق ، ولما ذكر تعالى ملك السماوات والأرض ، عقبه بذكر ما فيهما ، فقال : ( وله ما سكن ) أي : وله كل متمكن ساكن ( في الليل والنهار ) خلقا ، وملكا ، وملكا ، وإنما ذكر الليل والنهار هنا ، وذكر السماوات والأرض فيما قبل ، لأن الأول يجمع المكان ، والثاني يجمع الزمان ، وهما ظرفان لكل موجود ، فكأنه أراد الأجسام والأعراض . وعلى هذا فلا يكون السكون في الآية ما هو خلاف الحركة ، بل المراد به الحلول كما قال ابن الأعرابي : إنه من قولهم : فلان